الأحد، 22 مارس 2009

في الذكرى الخامسة لاستشهاده.. الشيخ " أحمد الياسين".. قائد صنع من الضعف قوة

نيوز فلسطين- غزة المحاصرة
خمسة أعوام مضت على استشهاده، إلا أن صدى كلماته لا تزال تصدح في أرجاء ومختلف بقاع العالم، وكأنه لا يزال على قيد الحياة، فقد كان المؤسس لإحدى أكبر الحركات الإسلامية في القرن العشرين، وهي التي تقف هذه الأيام في وجه أعتى قوة في الشرق الأوسط، إلا أن هذه القوة التي أسست غصبا على تراب فلسطين الطاهر، لم تنتظر كثيرا على الشيخ المقعد أحمد ياسين وقررت أن تكون نهايته شهادة في سبيل، بعد أن فشلت عن ثنيه عن منهاجه بالاعتقالات والإبعاد والتهديد، وكانت شهادته على غير ما أراد العدو الصهيوني بأن زادت شعبية وتأييد الحركة التي أسسها ليس فقط في فلسطين، وإنما في كل أرجاء العالم.
المنشأ والتاريخ
استشهد الإمام المؤسس، في 22 مارس 2004م، عن عمر يناهز الـ (66) عاماً، إثر عملية اغتيال نفذها بحقه سلاح طيران الاحتلال الصهيوني، بإشراف مباشر من رئيس وزرائه حينذاك آرئيل شارون، ليحيل جسده الضعيف على كرسيه المتنقل إلى أشلاء يصعب جمعها.
ولد الشيخ أحمد ياسين، عام 1938م، في قرية "الجورة" من قضاء مدينة المجدل "عسقلان"، و مع حلول النكبة عام 1948م، هاجر مع أسرته الفقيرة إلى قطاع غزة،و لم يمكث طويلاً حتى تعرض عام 1952 لحادث أدى إلى شلل كامل في جسده، لم يثنه عن مواصلـة تعليمه و صولاً إلى العمل مدرساً للغة العربية و التربية الإسلامية في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).
ونتيجة لنشاطه الإسلامي الكبير في تلك الفترة، قامت السلطات المصرية التي كانت تشرف على غزة باعتقال الشيخ بتهمة الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين.
وعندما كان رجالات الجماعة في قطاع غزة يغادرون القطاع هرباً من بطش "جمال عبد الناصر" كان للشيخ أحمد رأى آخر، فقد قال:" إن على هذه الأرض ما يستحق الحياة والجهاد".
مرافق داخل المعتقل
وبعد خمسة أعوام يستذكر المحيطون وأصدقاء الشيخ أحمد أخلاقه وأفعاله بكل تفاصيلها، وقد كانت أوقات كبيرة للمهندس فريد زيادة من نابلس بصحبة الشيخ الذي تمنى أن يقضي معه أوقاتا طويلة ليتعرف عليه عن قرب، وإن كانت هذه الأوقات التي أمضاها داخل معتقلات العدو الصهيوني، وتحديدا في معتقل "كفار يونا" الذي كان يقبع فيه الشيخ في العام 1994م.
ويفخر المهندس زيادة بعد هذه الأعوام أنه كان من خدم الشيخ خلال تلك المدة في داخل معتقله، ويقول:
" بدأت الحكاية عندما فتح الباب أمام أسرى حماس لتقديم طلبات للانتقال إلى سجن كفار يونا -حيث كان يحتجز الشيخ- فقد كانت تلك فرصتي للتعرف على هذه المعجزة الإيمانية عن قرب، فسارعت إلى تقديم طلب للانتقال من سجن نابلس المركزي إلى سجن كفار يونا، حيث يقيم الأستاذ الشهيد".
ويضيف:" كانت المنافسة شديدة جدًّا؛ أحباب الشيخ ومريدوه كثر، وكلهم وجد فيما رأيت فرصة للوصول لرؤية الشيخ القعيد وخدمته".
وأكد زيادة أن حركة حماس في السجون المركزية لدى قوات الاحتلال كانت تفتح باب الترشيح بين أسراها الذين أسرهم حب شيخها لهذا الشرف المضاعف، مضيفا:" فمن ينجح بالوصول للشيخ يحظى بشرف خدمته ورعاية شئونه، ووقوع الاختيار عليه يعكس ثقة تنظيمه به وبقدرته على تحمل صعاب المهام".
وكان سجن كفار يونا مخصصا للأسرى الجنائيين اليهود، وليس فيه من الأسرى الأمنيين العرب إلا غرفة واحدة كان يقيم بها الشيخ ومرافقان له.
وحين بلوغ الشيخ أحمد ياسين العشرين من عمره، بدأ نشاط الشيخ السياسي، وذلك من خلال المشاركة في المظاهرات التي اندلعت في غزة احتجاجا على العدوان الثلاثي الذي استهدف مصر في العام 1956، وخلال هذه الفعاليات أظهر الشيخ ياسين قدرات خطابية وتنظيمية ملموسة، فقد استطاع أن ينشط مع رفاقه في الدعوة إلى رفض الإشراف الدولي على غزة، مؤكدا على ضرورة عودة الإقليم إلى الإدارة المصرية.
تأسيس حماس..عظمة البناء
وفي العام 1987م اتفق الشيخ أحمد مع مجموعة من قادة العمل الإسلامي في قطاع غزة على الإعلان عن تأسيس تنظيم إسلامي بغية تحرير فلسطين، حيث أطلقوا عليه اسم حركة المقاومة الإسلامية "حماس".
وبدأ دور الشيخ في حماس يظهر بشكل فعلي خلال أحداث الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي اندلعت آنذاك واشتهرت باسم "انتفاضة المساجد"، ومنذ ذلك الحين أصبح الشيخ أحمد ياسين بمثابة الزعيم الروحي لحركة حماس.
وكان الشيخ ياسين يرى ضرورة تسليح الشعب الفلسطيني والاعتماد على السواعد الوطنية المتوضئة، وكذلك البعد العربي والإسلامي في تحرير فلسطين، إذ لم يكن يرى من جدوى في الاعتماد على المجتمع الدولي في تحرير الأراضي الفلسطينية المحتلة.
اعتقال وملاحقة
وبعد ازدياد أعمال الانتفاضة الأولى" انتفاضة الحجارة"، بدأت سلطات العدو الصهيوني التفكير في وسيلة لإيقاف نشاط الشيخ أحمد ياسين، فداهمت منزله في شهر أغسطس/ آب في العام 1988م وفتشته وهددته بنفيه إلى لبنان.
وعند ازدياد عمليات قتل الجنود الصهاينة وتصفية العملاء المتعاونين مع المحتل الصهيوني قامت سلطات الاحتلال وتحديدا في اليوم الثامن عشر من مايو/ أيار من العام 1989 باعتقاله مع المئات من أعضاء وكوادر وقيادات حركة "حماس"، وأصدرت محاكم الاحتلال حكما عليه يقضي بسجن ياسين مدى الحياة إضافة إلى 15 عاما أخرى عليه وصدر الحكم في السادس عشر من أكتوبر من العام 1991م، وذلك بدعوى تحريضه على اختطاف وقتل الجنود الصهاينة، وتأسيس حركة المقاومة الإسلامية "حماس" والتي فتحت صفحة جديدة من تاريخ الجهاد الفلسطيني المشرق.
الإفراج والإقامة الجبرية
وخلال اعتقاله في سجون الاحتلال الصهيوني، حاولت مجموعة مجاهدة تابعة لكتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة "حماس" الإفراج عن الشيخ ياسين ومجموعة من المعتقلين في السجون الصهيونية بينهم مرضى ومسنين ومعتقلون عرب اختطفتهم قوات صهيونية من لبنان، فقامت باختطاف جندي صهيوني قرب مدينة القدس المحتلة في الثالث عشر من ديسمبر من العام 1992 وعرضت على الكيان الصهيوني مبادلته نظير الإفراج عن هؤلاء المعتقلين، غير أن سلطات الاحتلال رفضت العرض وقامت بشن هجوم على مكان احتجاز الجندي مما أدى إلى مصرعه ومصرع قائد الوحدة الصهيونية المهاجمة واستشهاد قائد المجموعة الخاطفة.
تم إطلاق سراح الشيخ ياسين فجر يوم الأربعاء الأول من أكتوبر من العام 1997 وتم إبعاده إلى الأردن بعد ثمانية أعوام ونصف من الاعتقال في سجون الاحتلال، وتم الإفراج عن الشيخ ياسين بتدخل شخصي من العاهل الأردني الراحل الملك حسين بن طلال.
تدخل الملك الحسين جاءت بعد أن كانت عملية فاشلة قام بها الموساد الصهيوني لاغتيال رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل في عاصمة الأردن عمان، حيث أثارت هذه العملية غضب الحسين وطالب بالإفراج عن الشيخ مقابل إطلاق عميلين من الموساد تم توقيفهما في الأردن.
وبسبب اختلاف سياسة الحركة الإسلامية عن السلطة الفلسطينية، كثيراً ما كانت تلجأ الأخيرة للضغط على "حماس"، وتستخدم عددا من الأساليب في هذا السياق، ومن خلال خطواتها هذه فرضت السلطة الفلسطينية أكثر من مرة على الشيخ أحمد ياسين الإقامة الجبرية مع إقرارها بأهميته للمقاومة الفلسطينية وللحياة السياسية الفلسطينية.لمجتمع الدولي في تحرير الأراضي الفلسطينية المحتلة.
مأثورات للقائد
كان للمعلم الياسين، العديد من الأقوال المأثورة، التي اشتهر بها، فجعلت منه المعلم والقائد، من أبرزها قوله:" أنا أحب الحياة جداً، لكنني أرفض الذل والخنوع والعدوان على نفسي، عشت حياتي أملي واحد.. هو أن يرضى الله عني"، وقوله:" إن المؤمنين يستمدون زادهم من ربهم أولاً، ومن دينهم ثانيًا، ومن دعم أهلهم وإخوانهم ثالثًا وينتظرون النصر".
أيضاً كان يركز كثيراً في حديثه على المقاومة مشدداً على أنها قامت من أجل أن تعطي وتقدّم لا أن تأخذ، وأنها تزيد المؤمنين صلابة، كالنار عندما يوضع عليها الذهب تزيده لمعانًا، مؤكداً أن الشعب الفلسطيني على مدار التاريخ أثبت أنه الأقوى شكيمة والأصلب إرادة بين شعوب العالم قاطبة.
وعن نفسه وطريقه الدعوى كان يقول:"أنا كرست حياتي للعمل وليس للكتابة، فان تعلمت آية أو حديثاً قمت وعلمته للناس (..) إننا طلاب شهادة، لسنا نحرص على هذه الحياة، بل نسعى إلى الحياة الأبدية".
قالوا عن الإمام
حادثة اغتيال المؤسس، لم تمر مر الكرام، إذ علق عليها العديد من الشخصيات الاعتبارية في العالم، وأولها، ما قاله خلفه الشهيد القائد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، حينما قال:"لم يخبرنا التاريخ عن قائد صنع من الضعف قوة كما فعل هذا العالم المجاهد"، وكذلك ما قاله أسامة حمدان ممثل حماس في لبنان:" إن الجريمة تدل على عجز العدو وعدم قدرته على إنهاء وتصفية الانتفاضة".
وبدوره رأى عصام أحمد البشير وزير الأوقاف السوداني، أن
(الشيخ أحمد ياسين كان مشروع شهادة و كان شهيدًا يمشي على الأرض)
بينما رأى الصحفي المصري المعروف أحمد عبد القدوس أن
(رجلاً قعيداً أقوى من الرجال الأشداء ، دوّخ عدوًا يملك أقوى جيش بمنطقة الشرق الأوسط).
أما المفكر والداعية الإسلامي الشيخ يوسف القرضاوي، فقال عن الإمام:"إن الشيخ ياسين حقق أمنية طالما طلبها من ربه، كان يستطيع أن يتخفى، ولكنه عرض نفسه ليد (إسرائيل) وهذه الجريمة تعطينا درسًا وهو أن مسيرة السلام لم يعد لها مكان ومن يتصور ذلك فهو واهم.
وصرح نائب وزير الحرب الصهيوني، عقب حادثة الاغتيال قائلاً:" ياسين كان يستحق الموت بسبب العمليات (الإرهابية) التي ارتكبتها حماس".
أما الرئيس الأمريكي السابق، جورج بوش والذي عُرف بدعمه المطلق لـ (إسرائيل) وسياساتها، فقال:" إن من حق (إسرائيل) الدفاع عن نفسها"، لتخرج وزيرة خارجيته، كونداليزا رايس تعلن أن حماس (منظمة إرهابية وأحمد ياسين إرهابي).
على خطى الياسين
رحل الإمام ليختلف بعده المظهر العام لخط سير حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، كبرى حركات المقاومة الفلسطينية والأكثر شعبية في الشارع الفلسطيني- وهو ما أثبتته نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة- إذ كانت تحشر نفسها في مربع المقاومة فقط، رافضة المشاركة في الحياة السياسية الفلسطينية.
وبعد عامين من استشهاد المؤسس، خاضت حماس غمار الانتخابات التشريعية، لتحظى بأغلبية مقاعد المجلس، الأمر الذي فاجأ الجميع، مشكلاً مدخلاً واسعاً لحماس التي كانت "مرفوضة" من قبل السلطة الفلسطينية في بداية عمرها وتعرضت قياداتها للتعذيب في سجون السلطة سيما عام 1996م، لتتربع على عرش السلطة فيما بعد، سائرة على بساط الانتخابات، ما جعل بعض المراقبين يرون أن الحركة حادت عن دربها بعد استشهاد المؤسس، إلا أن من يقرأ مواقف الياسين، يجد أن حماس صانت العهد مع إمامها، والتزمت الدرب وإن كان التكتيك اختلف.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقالات متصلة

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...