الأحد، 19 أبريل، 2009

معركة جنين..شهود يروون حكايات المقاومة والثبات لم تسقط من ذاكرة احدهم والمجزرة المروعة

رغم مرور ستة أعوام عالمعركة ..تبقى جنين نبرساً لكل مقاوم حر >>
نيوز فلسطين- غزة المحاصرة
رغم مضي ستة أعوام على مجزرة مخيم جنين في شهر نيسان من عام 2002 إلا أن تفاصيلها لم تسقط من ذاكرة شهدوها, و من تجرعوا ويلاتها من آلام الفقدان والحرمان من الأبناء والخلان.
سكان مخيم جنين, الذين يتجاوز عددهم ما يقارب 15 ألف نسمة في مساحة 2 كيلو متر مربع يسترجعون في كل عام في شهر نيسان, ذكرى المجزرة البشعة التي راح ضحيتها 63 شهيدا والمئات من الجرحى, والآلاف من المعتقلين ما بين 15 – 50 عاما منهم من حكم عليه بالسجن ومنهم من أفرج عنه بعد أيام أو شهور, عدا الدمار الذي شهده المخيم آنذاك وهدم أكثر من 500 منزل, ومنشات عامة واستهداف البنية التحتية من كهرباء وماء وصرف صحي واعتداء على حقوق الإنسان, ضاربة دولة البغي الصهيونية في ذلك الوقت كل القوانين الدولية والإنسانية عرض الحائط, أما القتلى من الجانب الصهيوني وبحسب الاعترافات الرسمية فكانوا 32 قتيلا فضلا عن عشرات الجرحى منهم.
معركة غير متكافئة
كانت معركة مخيم جنين غير متكافئة, فقد كانت سلطات الاحتلال تستخدم احدث التكنولوجيا القتالية في معركتها من دبابات وطائرات ومروحيات, والمقاومة تتصدى لهم بالأسلحة الخفيفة والعبوات الناسفة المحلية الصنع والأجساد المفخخة الاستشهادية.
"مجزرة جنين", هو اسم أطلق على عملية التوغل التي قام بها الجيش في جنين في الفترة من تاريخ 3 إلى 12 نيسان 2002 واستمرت نحو عشرة أيام تقريبا وربما أكثر بقليل, حيث أشارت رواية الحكومة الصهيونية في ذلك الوقت وقوع معركة شديدة في جنين, مما اضطر جنود الجيش إلى القتال بين المنازل, بينما أشارت مصادر في منظمات حقوق الإنسان ومنظمات دولية أخرى, أن قوات الاحتلال أثناء إدارتها للعملية في مخيم اللاجئين, قامت بارتكاب أعمال القتل العشوائي واستخدام الدروع البشرية والاستخدام غير المناسب للقوة, وعمليات الاعتقال التعسفي والتعذيب, ومنع العلاج الطبي والمساعدة الطبية ودخول الصحفيين إلى المخيم.
لقد كانت هذه العملية ضمن عملية الاجتياح الشاملة للضفة الغربية, عقب تنفيذ عملية استشهادية في فندق في مدينة نتانيا, وتنفيذ عملية اقتحام إحدى المستوطنات بالقرب من مدينة نابلس.
هدف الاجتياح
وقد هدفت عملية الاجتياح القضاء على المجموعات الفلسطينية المقاومة التي كانت تقاوم الاحتلال, وكانت جنين والبلدة القديمة في نابلس مسرحا لأشرس المعارك التي دارت خلال الاجتياح, حيث قرر مجموعه من المقاومين الفلسطينيين محاربة القوات الصهيونية حتى الموت, الأمر الذي أدى إلى وقوع خسائر في صفوف القوات الصهيونية مقابل المئات من الجرحى والشهداء الفلسطينيين, ومن ثم قامت باجتياح مخيم جنين والقضاء على المجموعات المقاتلة, حيث تم قتل واعتقال العدد الكبير منهم, كما قامت القوات الصهيونية بعمليات تنكيل وقتل بحق السكان حسب المصادر الفلسطينية, ومعظم المصادر الإخبارية العالمية المحايدة والجمعيات الدولة الأخرى, أدى إلى سقوط المئات, فيما حملت إسرائيل المقاتلين الفلسطينيين مسؤولية تعريض حياة المدنيين للخطر.
كما أن هناك أفلاما سينمائية ووثائقية أعدت, لتوثيق أحداث المجزرة وإيصالها للعالم, مثل فيلم "جنين غراد" وفيلم "جنين جنين" للمخرج محمود البكري والمسلسل السوري "الاجتياح".
حكايات تروى
في كل بيت في مخيم جنين حكاية تروى ما شاهدته في مجزرة مخيم جنين, وفي كل حارة تروي قصتها مع الهدم وانتشال جثث الشهداء المحروقة والمقطعة والمدفونة تحت ركام المنازل المهدمة, وفي كل زاوية من المخيم رواية تتناقلها الأجيال عما قامت به المقاومة في تصديها للاحتلال.
الصمود رغم المخاطر
أم علي عويس تروي قصة صمودها في منزلها في الوقت الذي استطاع فيه جيش الاحتلال أن يزحف قليلا باتجاه المخيم, حيث كانت تقطن في منزل مكون من أربع طوابق أعلى مبنى في المخيم, وقالت " عندما تم محاصرة المخيم من كافة الجهات وبدأ الناس يتركون منازلهم, بقيت أنا وبناتي وأحفادي وأبناء جيراني الذين احتضنتهم بعد أن خرج آباؤهم للمقاومة في المنزل".
وأضافت " في اليوم الرابع من الاجتياح, اشتدت الحرب بين المقاومة والاحتلال وكنت اسمع الأعيرة النارية في كل مكان والتي أصابت أجزاء كبيرة من منزلي, وصوت الطائرات المروحية وزمجرة الدبابات ورغم ذلك بقيت صامدة ومن معي في المنزل".
وتابعت تقول "في اليوم السادس من الاجتياح سمعت أصوات الهواتف اللاسلكية الخاص بالجنود, وعلمت أن الجيش في محيط المنزل ودقائق حتى طرقوا الباب ليدخل أكثر من خمسين جنديا مع عتادهم, موجهين أسلحتهم نحوي ومن في المنزل ليحرضوني على الخروج من المنزل, ورفضت ذلك, وعند إصراري على الصمود في منزلي هددني الضابط بقتل ابن أختي عبد الكريم ذات الأعوام الستة, بتوجيه المسدس على رأسه لأهاجمه بينما الجنود بدورهم ضربوني حتى جاء احدهم وضربني بقاع المسدس على راسي ".
وقالت "أجبرت على الخروج بعدها, والذي كسر إصراري على البقاء في المنزل هم الأطفال خوفا عليهم, لأتوجه إلى المنزل المجاور وكان فارغا من أهله المهم أن أكون قريبا من منزلي".
وأضافت " خلال وجودي في المنزل المجاور انقطع الطعام والماء, وما كان يهمني ويقلقني أكثر هو انقطاع الحليب عن الأطفال, غامرت وخرجت بحثا عن الحليب أسدد رمق جوع الصغار, ويصدني الجيش على مدخل المنزل ويجبرني على الرجوع تحت تهديد السلاح, حاولت الخروج من الجهة الأخرى بين المنزل عبر الثقوب التي أحدثتها القذائف الصهيونية والجرافات, لأصل إلى دكان صغير خال من أصحابه وبابه مخلوع واخذ ما يكفيني من الطعام والحليب".
جثث وركام
وروت أم علي ما شاهدته من دمار وجثث الشهداء المدفونة تحت الركام, وأجزاء من لحومهم وجثث محروقة وقالت " عند انسحاب الجيش من إحدى أحياء المخيم خرجت وبعض العائلات بحثا عن جثث الشهداء, رأيت جثة الشهيد محمد النورسي نصف جسده تحت الركام يمسك بسلاحه الكلاشنكوف وهو احد المدافعين عن المخيم, وشاهدت جثة الشهيد طه الزبيدي محترقة على باب احد المنازل, والعديد العديد من الجثث المفحمة والمقطعة ".
وأضافت " لن أنسى الشهيد جمال الصباغ, التي داسته جنازير الدبابات, فخلال جولتنا للبحث عن الجثث وإخراجها ووضعها في أكياس, رأيت جثة جمال, ولأنه ضخم وضعت بطانية على جسده وتركناه مكانه حتى يأتي يوم لدفنه, وعند عودتي بعد يومين أتفقد جثمانه إذ سويت بالأرض وأجزاء جسمه الداخلية مبعثرة هنا وهناك, والعلامة على أنها جسده البطانية التي غطيت بها".
قرار الصمود والثبات
أم رمزي تعود بالذاكرة قليلا وتقول في ذكرى المجزرة, "كاد الرصاص المنهمر يفتك بي وبعائلتي فقد اخترقت عدة رصاصات جدار المنزل حتى شعرت بالخطر الشديد, وبأنني وأبنائي أصبحنا في عداد الشهداء فسقطنا جميعا على الأرض, وأخذنا نزحف نحو المطبخ ونردد الشهادتين قد شعرنا بالموت يداهمنا في كل مكان".
وتمضي أم رمزي قائلة "كان قرار الجميع في المخيم الصمود والثبات, حتى بدأت عمليات الهدم وطردنا من المنازل في جو كان البرودة, حيث كان العشرات من الأطفال والشيوخ والنساء ينتفضون من شدة البرد, وبتنا نواجه القمع الصهيوني والموت البطيء خاصة مع تزايد حدة القصف الصهيوني".
وتصف أم رمزي تلك الأيام التي عاشتها بأنها الأقسى والأصعب في حياتها, وقالت " كنا نتحرك زحفا وننام على ارض المطبخ وتحت الكراسي والطاولات".
أما أم علي فقد أكدت أن منزلها انهار بعدما أصيب بقذيفة, عندما كانت بداخله مع زوجها وأشقائه وقالت "بدأنا بالصراخ ثم استطعنا النهوض من الركام, وحضر الجنود وأمرونا بإخلاء المكان بعد اعتقال زوجي وأشقائه".
وأضافت "لقد أجبروهم على خلع ملابسهم واقتادوهم إلى أحراش السعادة", مشيرة إلى أن جنود الاحتلال كانوا يتكلمون من خلال مكبرات الصوت باللغة العربية, ويؤكدون أنهم جيش أقوى من المقاومة .
أسطورة المقاومة
المقاومة كانت قوية جدا, فرغم بساطة الأسلحة التي معهم إلا أن التكتيك والتخطيط والتواجد معا في خندق واحد دون التمييز بين تنظيم وآخر كما في هذه الأيام, خلقت عدة صور مختلفة لحالة الخوف والهلع التي عايشها جنود الاحتلال خلال دخولهم المعركة أو محاولتهم تصفية المقاومة .
ويصف المواطن جمال زايد كيف تحصن عدد من المقاومين في الشقة المجاورة لمنزله, قائلا " لا اصدق ما رأته عيناي فقد كانت المواجهة وكلما اشتد القصف ترتفع معنويات المقاتلين, الذي رفضوا الخضوع والاستسلام ولم يتمكن الاحتلال من مغادرة دباباتهم والتحرك مترا واحدا على أرجلهم, فالمقاومة كانت لهم بالمرصاد".
وأضاف " كانت الملائكة تقاتل معنا في المخيم, فقد حوصر الكثير من المقاومين ولكن فجأة ينفك الحصار ويتراجع الاحتلال, وقد شاهدت جنود الاحتلال يبكون ويشتمون ارئيل شارون".
بينما أبو علي يروي قصة بطولية قام بها رجال المقاومة وأشبال العبوات الناسفة, حيث قال " إن المقاتلين نصبوا كمينا لإحدى الدبابات في ساحة المخيم, وبعد وصولها لوسط الساحة شنوا هجوما عنيفا, ورغم إطلاق الجنود النار العشوائي حاصرها عشرات الأشبال بعشرات العبوات الناسفة تسقط حول الدبابة وفوقها, حتى عجز الجنود عن التقدم أو التراجع حتى بعد اشتعال مقدمة الدبابة, وبعد حضور الطائرات والمزيد من الدبابات تمكنت قوات الاحتلال من جر الدبابة بمساعدة عدة جرافات".
وفي موقع آخر, قالت أم رياض "أن الجنود بكوا بشدة بعد أن حوصروا بالعبوات, حيث استغلوا الليل وتسللوا لمنزلنا ونصبوا كمينا للمقاومة, ولكن سرعان ما انكشفت العملية وبدأت معركة قوية, فالعشرات من المقاومين والأشبال حاصروا الجنود داخل منزلنا وبعد خمس دقائق, بدأ الجنود بالبكاء وإجراء الاتصال بقيادتهم مطالبين بإخراجهم وإنقاذهم من الموت ".وأضافت "أنهم كلما وقع انفجار وألقيت عبوة ناسفه, كان الجنود يهرولون لداخل المنزل مذعورين ويصرخون ويشتمون الذات الإلهية وموفاز وشارون, حتى أن احد الجنود ارتمى بين أطفالي ورفض الخروج حتى انسحب الجيش من المنزل".
بينما المواطن أبو فخري قال " إن العبوات الناسفة التي كانت تلقى على الجنود الذين احتلوا منزله أكدت له مدى هشاشة الجيش وضعفه, فبعد انفجار عدة عبوات أصيب الجنود بالانهيار التام, حتى أن احدهم سقط سلاحه منه خلال هربه للغرف الداخلية ولم يعد لأخذه إلا بعد توقف إلقاء العبوات الناسفة ".وأضاف " أن العبوات الناسفة حطمت معنويات الجنود, وسمعهم يتحدثون عبر جهاز اللاسلكي بأن شارون أرسلهم للموت في المخيم, فالعبوات تنفجر فوقهم وأمامهم والموت يتربص بهم من كل جانب.
الأطفال لم ينسوا الجراح
الطفل مصطفى الفايد 14 عاما يسرد لنا مأساة أسرته خلال مجزرة مخيم جنين, والتي انتهت بفقدان والده ويقول " عند اقتحام المخيم ووصول الجنود إلى المنطقة التي نقيم فيها في المخيم من ناحية الجبل, شرعوا باحتلال المنازل ونصب الكمائن بها لاصطياد رجال المقاومة ,وفي ظل القصف المتواصل أصبح كل شيء مهددا بالخطر والذي يحيط بنا من كل جانب, فنقلنا والدي إلى الغرف الداخلية ومكثنا فيها أسبوعا كاملا لا نرى وجه الشمس ولا نسمع سوى أزيز الطائرات وهدير الدبابات, وكنا لا نتوقف عن البكاء رغم محاولات والدي رفع معنوياتنا, وكان يقول لنا "ما تخافوش" ويضحك أمامنا, حتى أن الطائرات عندما تقصف والقذائف تصل الأرض كانت أمي تصرخ بالانبطاح على الأرض, لكن والدي كان يقول لنا "ما تردوش على أمكم" ويضحك وهو يتلوا القران".
وأضاف " بعد أيام صعاب وصل الجنود إلى منطقتنا, واقتحموا المنزل ليدخل عشرات الجنود إلى المنزل ويكسرون كل ما فيه وفتشوها بوحشية, واعتدوا على والدي بالضرب وأخذوه لساحة المنزل وسمعنا صوته وهو يصرخ من شدة الم الضرب, ليأخذوه معهم إلى أحراش السعادة".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقالات متصلة

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...